عين القضاة
82
شرح كلمات بابا طاهر العريان
وقال : ( من ذكره الحقّ ، كان ذكره للحقّ موافقة له في ذكره ، ورضي بذكره من ذكره ) . أقول : يعني من كان مذكورا من اللّه تعالى ، كان ذكره للحقّ أثر ذكر الحقّ إيّاه ، فكان ذكر الحقّ في ذكره أصلا ، وذكره فرعا له على وجه الموافقة ، فحينئذ يرضى من ذكره بذكر الحقّ ، لا بذكر نفسه . وقال : ( من رضي بالذكر عن المذكور ، أعطي ثواب ذكره ، ومن طلب المذكور ، ومنع ثواب ذكره ، صار المذكور بنفسه ثوابه ) . أقول : من لا يطلب في ذكره المذكور ، ورضي بذكره عنه ، أعطي ثواب ذكره من غير المذكور ، ومن طلب المذكور ، صار المذكور بنفسه ثوابه ، ومنع ثواب غيره ، وعبّر عنه ابن الفارض - رحمه اللّه تعالى - بقوله : فلاح فلاحي في اطّراحي فأصبحت * ثوابي لا شيئا سواها مثيبتي وهذا لأنّ « الأعمال بالنيّات ، وإنما لكل امرئ ما نوى » « 1 » . وقال : ( ذكر اللّه فرض واجب ، فمن أراد ذكر اللّه لواجب فرضه فقد تنكّر ، ومن أراد ذكره لحقيقة أمره فقد تعذّر ) . أقول : الواجب تأكيد الفرض ؛ لأنّهما بمعنى ، والتنكّر ضدّ التعرّف ، وهو طلب المعرفة ، فالتنكّر طلب النكرة ، يعني ذكر اللّه تعالى فرض لا يجوز تركه ؛ لقوله سبحانه : فَاذْكُرُونِي [ البقرة : الآية 152 ] ، والأمر للإيجاب ، فمن أراد ذكر اللّه لأنّه فرض عليه ، لا لمعرفة حقيقته ، فقد تنكّر ، ومن أراد ذكر اللّه لمعرفة حقيقته ، فقد تعذّر ؛ وذلك لأنّه ليس لأحد من الخلق أن يعرف حقيقة الذكر كما هي . وقال : ( البلوى كلّها ذكر ، والعافية ذكر ، والشدّة ذكر ، والرخاء ذكر ، وحقيقة الذكر نسيان الحظّ ) . أقول : يعني المتقابلات من البلوى والعافية ، والشدّة والرخاء ، كلّها ذكر يذكّر اللّه عبده ، أو يذكّر العبد ربّه ، وكلا المعنيين صحيح ؛ لأنّ اللّه تعالى يذكّر
--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب بدء الوحي . . . ، حديث رقم ( 1 ) [ 1 / 3 ] ؛ وابن حبان في صحيحه ، باب الإخلاص . . . ، حديث رقم ( 388 ) [ 2 / 113 ] ورواه غيرهما .